"تساقطات غزيرة وامتلاء السد يضعان القصر الكبير على حافة الكارثة"



تعيش مدينة القصر الكبير على وقع وضع استثنائي بالغ الخطورة، فرضته تساقطات مطرية غزيرة ومتواصلة، تزامنت مع بلوغ سد وادي المخازن مستويات مقلقة تجاوزت عتبة الأمان، ما أدخل المدينة في حالة طوارئ ميدانية غير معلنة، وحوّل عدداً من أحيائها إلى مناطق منكوبة بفعل زحف المياه.

وشهدت أحياء عدة، من بينها الزهراء، الأندلس والمسيرة، تدفقات مائية قوية نتيجة الأمطار الغزيرة وعمليات تنفيس السد الذي فاقت نسبة ملئه 100 في المائة، حيث اندفعت المياه عبر الوديان والمجاري الطبيعية وشبكات الصرف، قبل أن تفقد السيطرة عليها، لتغمر الأزقة والمنازل وتحوّل الشوارع إلى مجارٍ مائية جارفة.

وبحسب معطيات ميدانية، بلغ منسوب المياه داخل عدد من المنازل مترًا واحدًا، فيما تجاوز مترًا ونصف المتر في مناطق أخرى، ووصل إلى حوالي مترين وسبعين سنتيمترًا ببعض أجزاء حي الأندلس ومحيطه، ما خلّف مشاهد صادمة تعكس هشاشة البنية التحتية أمام ضغط السيول.

وتداول سكان المدينة مقاطع مصورة توثق حجم الكارثة، حيث بدت سيارات شبه غارقة، ومنازل محاصرة بالمياه، وأحياء بأكملها اختنقت بعد فيضان القنوات وارتداد المياه من مختلف المنافذ، في ظل عجز منظومة التصريف عن استيعاب الكميات الهائلة المتدفقة.

وتفاقم الوضع بفعل عامل طبيعي إضافي تمثل في هيجان البحر وارتفاع منسوب المد، الأمر الذي حدّ من قدرة المصبات الساحلية على تصريف مياه السد، وتسبب في ضغط ارتدادي داخل القنوات، أدى إلى ارتفاع سريع ومفاجئ لمنسوب المياه داخل المدينة.

خطورة الوضع تجلت بشكل واضح في القرار الاستثنائي القاضي بإجلاء المرضى من المستشفى المحلي بالقصر الكبير، بعد أن بدأ منسوب المياه يزحف نحو محيطه بوتيرة مقلقة، ما استدعى تدخلاً عاجلًا لتفادي تهديد مباشر لمرفق صحي حيوي يُفترض أن يشكل ملاذًا آمنًا في حالات الطوارئ.

وفي هذا السياق، أكدت زينب السيمو، البرلمانية عن حزب التجمع الوطني للأحرار، أن الوضعية “لا تبشر بالخير”، مشيرة إلى أن التساقطات المطرية لا تزال متواصلة، وأن منسوب مياه سد وادي المخازن يواصل الارتفاع متجاوزًا التوقعات الأولية.

وأضافت أن هامش التدخل يبقى محدودًا في ظل تشابك العوامل الطبيعية، معتبرة أن “الماء أصبح يتحدى الجميع”، في إشارة إلى صعوبة التحكم في تدفقاته تحت الضغط الحالي.

وأوضحت المتحدثة أن السلطات المحلية والمنتخبة، تحت إشراف عامل الإقليم، تواصل تواجدها الميداني منذ ثلاثة أيام لمتابعة تطورات الوضع بشكل متواصل واتخاذ التدابير الاستعجالية اللازمة.

ومن بين الإجراءات المتخذة، جرى إجلاء سكان الأحياء الأكثر تضررًا نحو مناطق آمنة، من بينها دور الشباب، القاعة المغطاة، مؤسسات تعليمية تتوفر على طوابق علوية، داخليات المدارس، إضافة إلى نصب خيام عند الاقتضاء تحسبًا لأي تصعيد محتمل.

وعلى المستوى الاجتماعي، تعمل السلطات الإقليمية على إعداد خطة استعجالية لتأمين الحد الأدنى من شروط العيش للسكان المتضررين، عبر توفير مساعدات غذائية، وتنظيم الإيواء المؤقت، والاستجابة للحاجيات الأساسية في انتظار ما ستؤول إليه تطورات الساعات المقبلة.

ورغم هذه التدخلات، يرى عدد من السكان والمتابعين أن حجم الإجراءات المتخذة يظل دون مستوى التحديات المطروحة، في ظل قوة التساقطات وكثافة المياه المتدفقة، ما يثير مخاوف حقيقية من سيناريوهات أكثر تعقيدًا إذا استمر الضغط المائي على الوتيرة نفسها.

ولم تقتصر تداعيات السيول على المجال الحضري للقصر الكبير، إذ تسببت الفيضانات في غمر الوديان وقطع عدد من الطرق، ما أدى إلى عزل سكان جماعات وقرى مجاورة، من بينها قصر بجير، أولاد أوشيح، والسواكن.

ورغم خطورة الوضع بهذه المناطق القروية، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن مدينة القصر الكبير تبقى النقطة الأكثر تأزمًا، بالنظر إلى كثافتها السكانية، وطبيعة أحيائها المنخفضة، وتشابك شبكاتها المائية والعمرانية، ما يجعلها في قلب الخطر خلال هذه الأزمة غير المسبوقة.

تعليقات