المساجد في إسبانيا: بين إرث الأندلس وواقع الجالية المسلمة

 تُعد إسبانيا واحدة من أبرز الدول الأوروبية التي تحمل إرثًا معماريًا إسلاميًا عريقًا، جعل منها جسرًا تاريخيًا يربط بين مجد الأندلس وواقع إسلامي معاصر يتجدد اليوم مع نمو الجالية المسلمة.

خلال الحكم الإسلامي للأندلس، ازدهرت المساجد بوصفها مراكز للعبادة والعلم، وكانت قرطبة عاصمة للخلافة الأموية ومنارة حضارية كبرى. غير أن سقوط الأندلس عام 1492 أدى إلى تحويل معظم المساجد إلى كنائس، لتفقد وظيفتها الدينية وتتحول إلى معالم تاريخية، أبرزها المسجد الجامع في قرطبة.
ومن بين الاستثناءات النادرة يبرز مسجد المنستير لا ريال، الذي يعود إلى القرن العاشر الميلادي، ويُعد أقدم مسجد في أوروبا لا يزال يُستخدم للصلاة بشكل متقطع بعد إعادة ترميمه عام 1975.
عاد الوجود الإسلامي المنظم إلى إسبانيا الحديثة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مع موجات الهجرة، وشكّل افتتاح مسجد الملك عبد العزيز في ماربيا عام 1981 أول بناء لمسجد مستقل منذ سقوط الأندلس. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد توسعًا ملحوظًا في عدد المساجد.
تُقدّر أعداد المساجد وأماكن العبادة الإسلامية في إسبانيا بما يزيد على 1500 موقع، وقد يقترب العدد من 2000 وفق بعض التقديرات. وتتركز بشكل أساسي في كتالونيا، ومدريد، وإقليم الأندلس، ومنطقة فالنسيا، حيث الكثافة الأعلى للجالية المسلمة.
ويبلغ عدد المسلمين في إسبانيا نحو 2.5 مليون نسمة، يمثلون قرابة 5% من السكان، يشكّل المهاجرون أكثر من نصفهم، بينما ينتمي الباقون إلى الإسبان المعتنقين للإسلام أو الحاصلين على الجنسية.
ورغم التحديات المرتبطة ببناء المساجد والتأهيل الديني، يتمتع المسلمون في إسبانيا باعتراف قانوني منذ توقيع اتفاقية التعاون مع الدولة عام 1992. وتبقى المساجد اليوم رمزًا حيًا لاستمرارية الحضور الإسلامي، وحلقة وصل بين ذاكرة أندلسية عميقة وواقع اجتماعي يسعى للتعايش والانخراط في المجتمع الإسباني الحديث.


تعليقات