في ميدان تحولات صناعية كبرى، يُعاد رسم خريطة إنتاج واحدة من أكبر مجموعات السيارات في العالم على ضفتي البحر الأبيض المتوسط. فبينما تتسارع وتيرة استثمارات مجموعة ستيلانتيس (Stellantis) في المملكة المغربية، تشهد معظم مصانعها في إسبانيا تراجعًا ملحوظًا، في مشهد يعكس صراعًا اقتصاديًا وتنافسيًا جديدًا على الجبهة الجنوبية لأوروبا.
هوامش الربح واللوجستيك: مغناطيس الاستثمار المغربي
تتجه أنظار المجموعة، المالكة لماركات مثل "بيجو" و"سيتروين" و"فيات"، بشكل حاسم نحو الجنوب. ففي مدينة القنيطرة المغربية، تضخ الشركة استثمارًا ضخمًا يتجاوز 300 مليون يورو لمضاعفة الطاقة الإنتاجية للمصنع المحلي إلى 400 ألف سيارة سنويًا، مع طموح للوصول إلى مليون مركبة في المنطقة بحلول عام 2030. وتتمتع المغرب بمزايا تنافسية قوية تجذب الصناعيين العالميين:
تكاليف تشغيل وإنتاج تنافسية مقارنة بمعظم دول الاتحاد الأوروبي.
اتفاقيات تجارية تفضيلية مع الاتحاد الأوروبي والأسواق الإفريقية والعربية، مما يسهل الوصول إلى أسواق جديدة.
منظومة لوجستية فائقة الكفاءة متمثلة في ميناء طنجة المتوسط، الذي بات المحور الرئيسي لتصدير السيارات المنتجة نحو الأسواق العالمية، مما يخفض التكاليف ويزيد السرعة.
إسبانيا تحت الضغط: تراجع الإنتاج وتهديد الوظائف
على الضفة الشمالية، يختلف المشهد تمامًا. فبينما تشتعل ورشات العمل في المغرب، تواجه المصانع الإسبانية لـ "ستيلانتيس" رياحًا معاكسة:
انخفض الإنتاج الإجمالي في إسبانيا من 1,003,301 مركبة في 2023 إلى 981,120 في 2024.
سجل مصنع سرقسطة تراجعًا حادًا في الإنتاج بنسبة 20% عام 2025.
يظل مصنع "فيلافيردي" في مدريد هو الأكثر عرضة للخطر، حيث تشير تقارير إلى نية المجموعة نقل إنتاج موديلات رئيسية مثل سيتروين ë-C4 إلى المغرب، مما يهدد مستقبله بعد 2029 ويُقلق العمال والسلطات المحلية.
"قلعة فيجو".. الاستثناء الذي يثبت القاعدة
وسط هذا التراجع الإسباني، يبرز مصنع فيجو الواقع في منطقة غاليسيا كحصن منيع. ففي عام 2025، سجل المصنع رقمًا قياسيًا بتجاوز إنتاجه 550 ألف سيارة، متفوقًا على إنتاج جميع مصانع المجموعة الأخرى في البلاد مجتمعة. والأهم من ذلك، أن "ستيلانتيس" منحت المصنع مهمة استراتيجية تتمثل في تصنيع الجيل القادم من سيارات الفئة (B) باستخدام المنصة الكهربائية الحديثة STLA Small، مما يضمن مستقبله لسنوات مقبلة.
خاتمة: توازن إنتاجي جديد في المتوسط
يؤكد هذا التحول الاستراتيجي ميلان كفة التنافس الاقتصادي لصالح الجنوب في بعض المجالات الصناعية. فـ "ستيلانتيس"، في سعيها الدؤوب لخفض التكاليف ورفع الكفاءة، تُرسّخ المغرب كمركز إقليمي صاعد لا يمكن تجاهله. أما في إسبانيا، فالسؤال المطروح الآن يتجاوز مصير مصنع أو اثنين؛ إنه يتعلق بقدرة النسيج الصناعي الأوروبي التقليدي على التكيف مع منافسة جديدة شرسة تأتيه من الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث تجتمع الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية والمزايا الجغرافية لترسم خريطة صناعية جديدة.
.png)