منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر بشأن أوضاع المحتجزين في مراكز CIE
في وقت تمضي فيه الحكومة الإسبانية نحو تنفيذ إجراءات التسوية الاستثنائية للمهاجرين غير النظاميين، تحذر منظمات حقوقية من استمرار احتجاز وترحيل أشخاص يستوفون بالفعل شروط الحصول على الإقامة القانونية، ما يسلط الضوء على تناقض متزايد بين السياسات المعلنة والممارسات الميدانية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة Público الإسبانية بتاريخ 14 مايو 2026، فإن عدداً من المهاجرين المؤهلين للاستفادة من عملية التسوية لا يزالون محتجزين داخل مراكز احتجاز الأجانب المعروفة باسم Centros de Internamiento de Extranjeros
(CIE)، بينما صدرت بحق آخرين أوامر ترحيل قابلة للتنفيذ.
وتؤكد منصة CIEs No València أن رحلات الترحيل نحو المغرب تنطلق أسبوعياً كل يوم خميس من مدريد، مروراً بجزر الكناري.
منير.. قصة تعكس مفارقة الواقع
تحولت رحلة منير إلى مقر البلدية لبدء إجراءات تسوية وضعه القانوني إلى نقطة تحول مأساوية في حياته. فبعد عام كامل من الإقامة في إسبانيا، اعترضته دورية شرطة أثناء توجهه لاستكمال ملفه الإداري، قبل أن يتم اقتياده إلى مركز احتجاز المهاجرين في بلنسية.
داخل المركز، تسلم مونير إخطاراً بترحيله، كان مقرراً خلال أيام قليلة، قبل أن يتم تأجيل العملية لاحقاً.
ويؤكد محاميه أن موكله يستوفي جميع الشروط المطلوبة للتسوية، إذ يملك:
- تسجيل سكن رسمي (Empadronamiento)
- رقم ضمان اجتماعي
- عقد عمل
- سجلاً جنائياً نظيفاً
ورغم ذلك، لا يزال يواجه خطر الإبعاد.
أرقام تكشف عمق الأزمة
المنظمات الحقوقية تعتبر أن حالة مونير ليست استثناءً، بل تعكس واقعاً متكرراً داخل مراكز الاحتجاز الإسبانية.
ووفق تقرير Servicio Jesuita a Migrantes بعنوان "جذور خلف الجدران"، فإن نسبة كبيرة من المحتجزين في مراكز CIE يعيشون في إسبانيا منذ سنوات طويلة ولديهم ارتباطات اجتماعية وعائلية واضحة.
وتشير بيانات التقرير إلى أن:
- نحو 59.6% من المحتجزين أقاموا في إسبانيا بين سنة و7 سنوات
- 15.8% يعيشون فيها منذ أكثر من 15 عاماً
- 70% منهم لم يرتكبوا أي جرائم أو مخالفات باستثناء الإقامة غير النظامية
هذه الأرقام أعادت فتح النقاش حول جدوى احتجاز أشخاص مندمجين فعلياً داخل المجتمع الإسباني.
انتقادات لغياب آليات التسوية داخل مراكز الاحتجاز
منظمات حقوقية تنتقد بشدة غياب إجراءات واضحة تسمح للمحتجزين المؤهلين بالتقدم بطلبات التسوية من داخل مراكز CIE.
ويؤكد ناشطون أن الحكومة الإسبانية وفرت في السابق آليات مماثلة داخل السجون العادية، لكنها لم تطبقها في مراكز احتجاز المهاجرين، رغم حساسية أوضاع المقيمين فيها.
ويشير المدافعون عن حقوق المهاجرين إلى أن إجراءات التسوية تتطلب:
- جمع وثائق إدارية
- طلب شهادات رسمية
- إتمام خطوات إلكترونية
وهي أمور تصبح شبه مستحيلة داخل مراكز الاحتجاز، بسبب محدودية الوصول إلى الإنترنت والهواتف والخدمات الإدارية.
رحلات ترحيل متواصلة نحو عدة دول
رغم النقاش الدائر حول التسوية، تستمر عمليات الترحيل بوتيرة منتظمة.
وتشير منظمات حقوقية إلى تنفيذ رحلات أسبوعية نحو:
- المغرب
- السنغال
- كولومبيا
- البيرو
- الجزائر
كما حذرت هذه المنظمات من استئناف رحلات الترحيل نحو الجزائر بعد توقفها لسنوات بسبب الأزمة الدبلوماسية بين مدريد والجزائر.
اتهامات بتصاعد “المداهمات العنصرية”
في السياق نفسه، تتحدث جمعيات مدافعة عن المهاجرين عن تزايد ما تصفه بـ"المداهمات العنصرية"، حيث يتم توقيف أشخاص بناءً على مظهرهم أو وضعهم الإداري فقط، دون وجود سوابق جنائية.
وترى هذه المنظمات أن بعض التوقيفات تتم بشكل متسارع قبل دخول إجراءات التسوية حيز التنفيذ الكامل، ما يثير مخاوف من ترحيل أشخاص قد يكونون مؤهلين قانونياً للحصول على الإقامة.
تناقض بين التسوية والترحيل
القضية تضع الحكومة الإسبانية أمام انتقادات متزايدة، خصوصاً مع استمرار الترحيل بالتوازي مع إطلاق برامج لتسوية أوضاع المهاجرين.
وتطالب المنظمات الحقوقية بـ:
- وقف احتجاز الأشخاص الذين لهم جذور واستقرار داخل البلاد
- مراجعة أوامر الترحيل الحالية
- تمكين المحتجزين من تقديم طلبات التسوية
- اعتماد إجراءات إنسانية أكثر انسجاماً مع سياسة الإدماج
في المقابل، لم تصدر وزارة الداخلية الإسبانية موقفاً واضحاً بشأن إمكانية تعليق الترحيل تلقائياً لمن يستوفون شروط التسوية، مكتفية بالإشارة إلى أنها تدرس بعض الحالات الفردية.
مشهد معقد ومستقبل غير واضح
بين وعود الإدماج وسياسات الترحيل، يعيش آلاف المهاجرين في إسبانيا حالة من القلق وعدم اليقين. فبينما تفتح الدولة باب التسوية القانونية، تستمر في الوقت نفسه بإجراءات الاحتجاز والإبعاد، ما يخلق واقعاً متناقضاً يثير جدلاً سياسياً وحقوقياً متصاعداً داخل البلاد.
.png)